تستطيعون تحميل أو طباعة النصّ الكامل |
عودة إلى صفحة مأساة يسوع – اليهود
وإسرائيل
قليل من المؤمنين يفهمون مأساة يسوع والسبب الذي من أجله رفض اليهود
الإعتراف بأنّه المسيح المُنتظَر: السبب هو رفض يسوع إعادة المملكة اليهوديّة لأنّ
ملكوت الله، كما قال، "ليس من هذا العالم" (يوحنّا 18، 36). لذلك
يُحَرّم الله أيّة دولة دينيّة، يهوديّة كانت أم مسيحيّة أم إسلاميّة.
لأنّ الله للمؤمنين وحدهم، إنّما الدولة لكافّة المواطنين، المؤمنين
منهم والمُلحدين.
مأساة يسوع هي الصهيونيّة، أي تسييس اليهوديّة. هنا المشكلة بكاملها!
إنّ جوهر اليهوديّة روحي. فالإيمان بالله بدأ مع ابراهيم منذ 4000
سنة حين تجلّى له الخالق لكي يعرّف له عن نفسه، ومن خلاله للبشر أجمعين. إنّ
النيّة الإلهيّة لم تكن خلق تيّار سياسي يهودي، بل نشر معرفة الله الأوحد.
طوال القرون، كبتت الصهيونيّة كسياسة اليهوديّة كدين إلى حدّ تحويلها
إلى مجرّد قوميّة. فاعتقد العبرانيّون أنّ من واجبهم ممارسة إيمانهم بخلق دولة
قوميّة. فهل اليهوديّة إيمان أم دولة قوميّة؟ بِنظر الله الإثنان لا ينسجمان. كلّ
المأساة تكمن هنا!
بدأت هذه الصبغة السياسية في القرن الحادي عشر ق.م. لدى دخول اليهود
الى فلسطين. منذ ذلك العهد، أرادت الجماعة اليهودية أن تتحوّل الى مملكة:
"قال رجال إسرائيل لجدعون: "إملك علينا، أنت وإبنك وإبن إبنك..."
فقال لهم جدعون: "لا أنا أملك عليكم ولا إبني يملك عليكم، بل الرب الإله هو
يملك عليكم" (قضاة 8، 22-23). فهم
جدعون خطر سلالة ملكيّة سياسية ورفضها كما يسوع من بعده، معلناً أنّ الله هو الملك
الأوحد.
أُجريت محاولة ثانية بعد قرن تحت حكم صموئيل. تمكّن اليهود عندئذٍ من
إنشاء مملكة يهوديّة مع شاول كأوّل ملك، خلافاً لإرادة الله والنبي صموئيل. واعتبر
الله أنّ اليهود، بتأسيس مملكة، خلعوه هو عن العرش كما صرّح لصموئيل:
"...إنّهم قد نبذوني أنا رافضين أن أملك عليهم" (1 صموئيل 8، 7). إنّ
رفْض الله لهذه المملكة السياسيّة واضح في هذا التصريح.
بعد اعتلاء شاول العرش، دعى صموئيل الإسرائيلييّن الى التوبة
والاعتراف بخطئهم لاختيارهم رجلاً ليكون ملكاً، إذ قال لهم: "إعترفوا بصراحة
ما أعظم شرّكم الذي صنعتموه في عيني الرّب بطلبكم لكم ملكاً" (1 صموئيل 12،
17). واعترف اليهود قائلين: "لقد زِدنا على جميع خطايانا شرّاً بطلبنا لنا
ملكاً" (1 صموئيل 12، 19). إنّ تسييس اليهودية إذاً مرذول منذ البدء من قِبل
هؤلأ الذين أسّسوه.
بعد عدّة قرون، ذكّر الأنبياء اليهود إنحرافهم نحو السياسة. فقال
الله بفم نبيّه هوشع عن الأسرائيليين: "نصبوا ملوكاً ولكن لا من قبلي،
وأقاموا رؤساء وأنا لم أدرِ" (هوشع 8، 4). ويقول أيضاً : "أهلكتِ نفسك
يا إسرائيل! فمن يستطيع إعانتك؟ أين ملكك؟ فليخلّصك. أين رؤساؤك؟ فليحموك هؤلاء
الذين قلت فيهم: أعطني ملكاً ورؤساء. أعطيتك ملكاً في غضبي وفي حنقي أخلعه
عنك" (هوشع 13، 9-11).
وبالفعل، بعد الغزو البابلي قضى نبوخذنصّر على المملكة في إسرائيل
سنة 586 ق.م. حينئذٍ هُدِمَ هيكل سليمان ونُفي اليهود إلى بابل و بطلت المملكة
الداووديّة منذئذٍ في إسرائيل (2 ملوك 25، 8-12 / 2 أخبار 36، 17-21).
منذ ذلك الوقت، واليهود يحنّون الى هذه المملكة الداوودية، متناسيين
كلّياً بأنّ الله هو الملك الأوحد. طوال القرون التي تبعت الغزو البابلي، حاول
الإسرائيليون مراراً إعادة المملكة إلى إسرائيل. لم يروا في المسيح المتنبّأ به
إلاّ ذاك الشخص القادر وحده على إعادة سلالة داوود على العرش. أصبحت هذه المملكة
الأرضيّة هاجسهم، عزاءهم وتحريرهم الوحيد. إنتظروه بكل قوّتهم مثل سمعان وحنّة
المذكورَيْن في الإنجيل اللذيْن كانا ينتظران "خلاص إسرائيل"
و"فداء أورشليم" (لوقا 2، 25-38).
في القرن الأوّل ق.م، وتحت الإمبراطورية الرومانية، توصّل اليهود إلى
إقامة مملكة بمساعدة الرومان. كان أوّل ملك هيرودوس الكبير، الذي لم ينَلْ رضى
الشعب لأنّه لم يكن من سلالة داوود بل من سلالة المكابييّن (من سبط اللاوييّن).
وكان عميلاً للرومان، وضعته روما على العرش لتهدئة اليهود المتعطّشين لمملكة.
إلاّ أنّ اليهود كانوا يطمحون إلى مملكة يهودية مستقلة من سلالة
داوود. فَسَعُوا للإنتفاضة ضدّ هيرودوس والرومان معاً لإقامة تلك المملكة. وكانوا
يعتقدون أنّ المسيح المنتظر سيظهر ليجمع شملهم للقتال ضدّ الرومان. شوق اليهود
المتفاقم لمملكة يهودية حجب عنهم كليّا المفهوم الروحي. لم ينتظر اليهود المسيح
إلاّ ليخلّص إسرائيل عسكريّاً وسياسيّاً، بغية إقامة إمبراطوريّة يهوديّة واسعة،
"إسرائيل الكبرى"، مثل إمبراطورية سليمان، التي ما زال يطمح إليها
الصهاينة اليوم.
عندما رأى الوطنيّون يوحنّا المعمدان يهاجم هيرودوس بكلام نبوئي،
ظنّوا أنّه المسيح المنتظر وتبعته جموع غفيرة رأت فيه ذاك المحرّر الوطني، والبطل
الذي يبتغونه. غير أنّ يوحنّا كان يبشّر بمخلّص آخر أقوى وأهمّ منه يظهر بعده
(متّى 3، 11 / يوحنّا 1، 26-37)، كان يقصد يسوع. كان يوحنّا نفسه يتصوّر أنّ
المسيح الآتي بعده سيحارب بالسيف لإعادة عرش داوود. لذلك لم يفهم تصرّفات يسوع
السلميّة، فعندما سمع بأعماله وهو في السجن، أرسل تلاميذه يسألونه: "أأنت
الآتي أم ننتظر آخر؟" (متّى 11، 2-3). كان يوحنّا يتوقّع أن يجمع يسوع شمل
الشعب للقتال، غير أنّ "أعمال" المسيح التي سمع بها يوحنّا كانت أعمال
رحمة وغفران خطايا وشفاء، ولم تكن أعمال مجاهد يهودي. هذه الأعمال الروحيّة لم تكن
لترضي القومييّن الذين كان يوحنّا ينتمي إليهم.
لذلك، ومن دون أن يشكّ بأنّ يسوع مُرسَل إلهي، بعث يوحنّا تلاميذه
ليسألوا يسوع إن كان هو المسيح المُنْتَظَر أو أنّ "عليهم أن ينتظروا
(مسيحاً) آخر" لقيادة الثورة؟ لم يفهم يوحنّا البعد الروحي للتحرير.
لذلك قال يسوع عن يوحنّا المعمدان إنّ الأصغر في ملكوت السماوات أكبر من يوحنّا
بعظمته، لأنّ هذا "الأصغر" قد فهم ما لم يفهمه المعمدان، أي أنّ ملكوت
الله روحي وداخلي (متّى 11، 2-11).
كلّ الذين لا يستوعبون هذا البعد الروحي لا يزالون
ينتظرون حتّى اليوم هذا "المسيح الآخر" لتجديد المملكة السياسيّة في
إسرائيل.
في زمن يسوع، كان اليهود قد فقدوا معنى الخلاص الروحي. إنّ الأفضل
بينهم كان يفهم هذا الواقع سياسيّاً. توقّع اليهود أن يأتي المسيح من عائلة
كهنوتيّة أو ثريّة ذات نفوذ سياسي واسع ليتمكّن من جمع شمل الشعب للقتال. أمّا
يسوع، فقد خرج بالعكس، من عائلة متواضعة ومن قرية الناصرة البعيدة: "أمِنَ
الناصرة يخرج شيء صالح" (يوحنّا 1، 46).
في هذا الجوّ من الغليان ولد يسوع من عذراء وديعة، مجهولة من الشعب.
لم يقنع المسيح، وهو النجّار المتواضع، غرور الإسرائيلييّن. كانت مهمّته الأساسيّة
إصلاح اليهودية وإعادتها إلى براءتها الروحية الأصلية بتحريرها من السياسة. فقال
لبيلاطس: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنّا 18، 36). أراد الله أن
يسترجع عرشه في قلوب كافّة المؤمنين بيسوع. فملكوت الله لا يضمّ اليهود فحسب،
إنّما كلّ ذوي النيّة الحسنة.
أتى يسوع مُبشّراً بملكوت الله وفسّر اليهود هذا الملكوت بأنّه مملكة
داوود. آمنوا به عندما رأوه يصنع المعجزات، ظانيّن أنّه المخلّص السياسي. فبدلاً
من أن يلبّوا دعوته إلى التّوبة، كانت ردّة فعلهم تجاه عجائبه دوماً سياسيّة
وقوميّة. أراد اليهود أن يفرضوا الملك الإسرائيلي عليه، بإعادة مملكة داوود كونه
من سلالته. فيقول يوحنّا في إنجيله، بأنّ اليهود قد آمنوا بيسوع بعد عجيبة تكاثر
الخبز، إذ قالوا: "حقاً هذا هو النبي الآتي إلى العالم". لكنّهم تمسّكوا
به بهدف سياسي، لا روحي، فيوضّح يوحنّا قائلاً: "عَلِم يسوع أنّهم يهمّون
باختطافه ليقيموه ملكاً، فهرب وعاد وحده إلى الجبل" (يوحنّا 6، 14-15 ).
يجب لفت النظر هنا إلى نقطة
مهمّة تخفى على القارئ : "كانوا يهمّون باختطافه ليقيموه ملكاً... فهرب
يسوع". لم يأتِ اليهود ليقدّموا العرش الإسرائيلي إلى يسوع، بل لفرضه عليه
عنوة. فلم يكن له سبيل سوى الهرب ممّا يجعل خيانة رسالته. ألم يرفض من يد الشيطان
العرض نفسه؟ (متّى 4، 8-10). تظهر مأساة يسوع في مقطع إنجيل يوحنّا المذكور، إذ
أنّ إصرار يسوع على رفض العرش الإسرائيلي، جعل اليهود يرفضونه كمسيح.
حقد الوطنيّون المتطرّفون على يسوع واعتبروه غير وطني لأنّه لم يضع
إمكاناته العجائبيّة بخدمة الوطن والعرش. إتّهموه بخداع الشعب (يوحنّا 7، 12). أمل
اليهود من يسوع بأن يقوم بحركة إصلاح سياسي، فقال إثنيْن من تلاميذه بعد موته:
"كنّا نأمل أن يكون هو الذي يخلّص إسرائيل" (لوقا 24، 21). وأمام رفضه
تحقيق آمالهم السياسيّة هذه، إستنتجوا بأنّ عجائبه هي من صنع الشيطان، وليست من
الله (يوحنّا 10، 20 / متّى 12، 24-28) . طلب الرؤساء اليهود صلب يسوع لأنّه قد
أصبح عقبة بوجه تحقيق أهدافهم السياسية والوطنية برسالته الروحية التي حمّست
الجماهير (يوحنّا 7، 37-52 و 12، 10-11).
غير أنّ يسوع لم يكن أوّل من رفض إقامة مملكة إسرائيلية، لعلمه
بأنّها ضدّ رغبة الله. لقد رفض جدعون أيضا، قبله بأثني عشرة قرناً، بأن يكون ملكاً
على إسرائيل. وبعده بقرن، أعلن صموئيل والله نفسه عن رفضهما لإقامة هذه المملكة،
"بما أنّ الله هو الملك الوحيد".
لقد عانى يسوع الكثير عندما حاول تفسير مملكته الروحيّة حتى
للمقرّبين إليه. هيّأ يسوع رسله مراراً لصلبه، ولم يحدّثهم أبداً عن محاربة
هيرودوس والرومان. المملكة التي قصدها لم تكن سياسيّة ولا وطنيّة. لم يتحدّث أبداً
عن المملكة الداووديّة بل عن ملكوت السماوات. كان اليهود ينتظرون خطباً ثوريّة
كقوله مثلاً: "يا أبناء إسرائيل، ويا أحفاد يعقوب الشرفاء وورثة الأرض،
إتبعوني، لا تتردّدوا في حمل السلاح وتحرير أرض أجدادكم، إلخ…" إنّما خطابات
يسوع كانت سلميّة: "طوبى للمساكين في الروح لأنّ لهم ملكوت السماوات، طوبى
للودعاء… طوبى للرحماء… (متّى 5، 1-12) يشبه ملكوت الله رجلاً زرع زرعاً جيّداً في
حقله… (متّى 13) أحبّوا أعداءكم، وصلّوا لأجل الذين يضطّهدونكم…" (متّى 5،
43-45).
أجاب يسوع الفريسييّن الذين سألوه عن موعد قدوم ملكوت الله، أي حسب
مفهومهم مملكة داوود: "لا يأتي ملكوت الله على وجه منظور ولن يقال: ها هوذا
هنا أو ها هوذا هناك. فها أنّ ملكوت الله في داخلكم" (لوقا 17، 20-21). هذا الجواب يعني أنّ
الملكوت في الإنسان، وبالتالي لا يجب إنتظار مملكة سياسيّة أخرى. لم يتوقّع أحد في
إسرائيل من المسيح المنتظر هذا النوع من الخلاص. لقد جرف التيّار الوطني المتطرّف
كل اليهود، بما فيهم الرسل.
إنّما، لأجل إعادة المُلك الالهي، كان لا بد أوّلاً من تحطيم فكرة
المسيح الصهيوني. كان يسوع يعلم أنّ ذلك لن يتم إلاّ بسفك دمه، إذ قال لرسله:
"إنّ إبن الإنسان سيسلّم إلى أيدي الناس فيقتلونه". عندما سمع التلاميذ
هذا الحديث "ذُهلوا جميعاً" (متّى 17، 22-23)، إذ كانوا يرون فيه ذاك
المسيح الوطني المحارب، ولم يتصوّروا أنّه سيُقتل دون إعادة المملكة الداووديّة.
لم يفهم الرسل أنفسهم البعد الروحي لملكوت يسوع مع أنّه مكث معهم
ثلاث سنوات، وظهر لهم بعد قيامته لمدة 40 يوماً وحدّثهم عن ملكوت الله (أعمال 1،
3). رغم ذلك، ظنّوا أنّ هذا الملكوت كان سياسيّاً. فسألوه قبل صعوده: "أفي
هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟" (أعمال 1، 6). إنّهم لم يفهموا مقصود
المعلّم إلاّ بعد حلول الروح القدس عليهم (أعمال 1، 7-8 / 11، 15-18 / 15، 7-11).
عمل يسوع على إبدال مفهوم المسيح الصهيوني بمفهوم المسيح الروحي
والعالمي في أذهان رسله. كان عليه أن يقوم بعمليّة دقيقة لتغيير أفكار رسله. إنّه
انتظر حوالي السنتين قبل المباشرة بهذه المهمّة الحسّاسة. كان لا بدّ له أن يُظهر
قدرته أوّلاً ليعطي رسله الثقة التامّة به. إنّهم لم يؤمنوا به إلاّ بعد إتمامه
العجائب الكثيرة (يوحنّا 2، 11 و 6، 14 ). فبعدها فقط سألهم: "من أنا في
قولكم أنتم؟ فوحده بطرس أجاب بشجاعة: أنت المسيح". فأثنى يسوع عليه، مؤكّداً
له أنّه عرف ذلك بوحي مباشر من الله (متّى 16، 15-17). هكذا تمّ اجتياز الخطوة
الأولى، ألا وهي ضمان إيمان الرسل بأنّ يسوع هو حقاً المسيح. إلاّ أنّ بطرس والرسل
كانوا يرون بيسوع ذاك المسيح القومي. إنّه المسيح، نعم! إنّما المسيح المجاهد.
وفعلاً لم يزل بطرس حاملاً سيفه عندما تمّ توقيف يسوع (يوحنّا 18، 10-11).
الخطوة الثانية والأدقّ التي كان على الرسل اجتيازها هي فهم المقصود
الروحي للخلاص الذي لم يكن باستطاعتهم تصوّره. فبعد أن حصل يسوع من رسله، وللمرّة
الأولى، على اعترافهم الصريح بأنّه المسيح، أصبح بإمكانه العبور الى الخطوة
الثانية، أي الإعلان عن وجه المسيح الروحي لا القومي. توصّل الى ذلك بالإعلان عن
موته القريب، ولأوّل مرّة، "بدأً من هذا اليوم"، أي من يوم اعترافهم
أنّه المسيح، كما يلفت متّى الإنجيلي، وليس قبل ذلك اليوم (متّى 16، 21).
كانت ردّة فعل بطرس رفض هذا الخبر المفاجئ الذي أحزنه: "لا سمح
الله، يا سيّد لن تلقى هذا المصير. فوبّخه يسوع قائلا: "إبعد عني يا شيطان،
إنّك لي حجر عثرة، فأفكارك ليست أفكار الله بل أفكار البشر" (متّى 16، 21-23). يعود إنفعال بطرس إلى عدم
تصوّر الرسل في ذلك الوقت، أنّ المسيح، مخلّص الأمّة وملك إسرائيل، سينتهي على
الصليب، كمجرم عادي، وهم يتصوّرونه معتلياً عرش إسرائيل، مفتتحاً سلالة داوود
الجديدة. فكيف يُصلَب المسيح ملك اسرائيل؟ كلاّ! أبداً! بل هو الذي سيخلع هيرودس
عن العرش ويطرد الرومان! "فما فهم التلاميذ هذا الكلام وكان مُغلقاً عليهم
حتى لا يدركوا معناه" (لوقا 9، 44-45).
كان على الرسل أن يخضعوا لغسل دماغ حقيقي من قبل المعلّم، هو بمثابة
"معموديّة". لم يتمكّن يسوع من تغيير مفهومهم إلاّ على الصليب. فكان لا
بدّ أن يموت، بعد أن آمنوا أنّه حقّاً المسيح، وذلك من دون أن يعيد تأسيس المملكة
الإسرائيليّة. عندها ثبت إيمانهم بأنّه المسيح الروحي العالمي، لا العنصري القومي،
وإنّه ما زال حيّاً فيهم. لم يفهموا كلّ هذا إلاّ لاحقاً، بعد صلب يسوع وقيامته.
بموْت يسوع، إنهارت فكرة المسيح الصهيوني في أذهان الرسل. هكذا،
بصلبه، إنتصر يسوع على الموت، ألا وهو العنصريّة والقوميّة الدينيّة. لذا قال
عشيّة صلبه: "لقد انتصرت على العالم" (يوحنّا 16، 33).
بعد موت يسوع، إستمرّ الرسل بإيمانهم إنّه حقاً المسيح المنتظر. هكذا اكتشفوا البعد الروحي الحقيقي
للخلاص. فلم يعد الله حكراً لليهود، بل هو للعالم أجمع: "أفيَكون الله إله
اليهود وحدهم؟ أما هو إله سائر الأمم أيضاً؟ بلى، هو إله سائر الأمم" (رومة
3، 29). أمّا اليهود المتطرّفون، الذين كان يسوع بالنسبة لهم سبب سقوط (متّى 11،
6) و"حجر عثرة" (رومة 3، 29)، فقد صُدِموا بقلّة "وطنيّته"
ونكروه.
يجب التمييز بين وطنيّة دينيّة مذنبة ومنبوذة من الله لإحتجاجها
بإيمان ما، وبين قوميّة شرعيّة مستقلّة عن الإيمان.
يجب ملاحظة أنّ المسيح الصهيوني يمثّل روح الماديّة والسيطرة. هذه
الروح خدعت عدداً لايُحصى من المسيحييّن مدى الأجيال. فهؤلاء لم يدركوا معنى صلب
المسيح. إنّ لكلّ المادييّن ذهنيّة المسيح الصهيوني وهم يموتون في خطاياهم كاليهود
الذين رفضوا الإيمان بالمسيح يسوع (يوحنّا 8، 21-24).
أمّا يهوذا الإسخريوطي، الرسول المزعوم الذي خان يسوع، فهو لم يتبع
المعلّم بدافع روحي، بل لمصالح ماديّة. يظهر ذلك في قول يوحنّا الانجيلي عن الخائن
الإسخريوطي: "كان لصّاً وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يلقى فيه"
(يوحنّا 12، 6). كان يظنّ يهوذا أنّ يسوع هو المسيح القومي. فكان طموحه الوحيد أن
يشهد إعادة الملكوت الداوودي، ليكون له فيه مركزاً مرموقاً (كوزير المال مثلاً).
فعجائب المسيح وعظاته الروحية لم تؤثّر عليه. لم يرَ في ذلك إلاّ وسيلة لإقامة
مملكة سياسيّة ولتحقيق طموحاته الماديّة الشخصيّة. تظهر لا مبالاة يهوذا تجاه
أعمال وتعاليم يسوع في حكم يسوع عليه بعد ما قاله عن خبز الحياة: "يوجد بينكم
من لا يؤمنون. كان يسوع يعلم منذ البدء من هم الذين لا يؤمنون ومن الذي سيسلمه...
فارتدّ عنه كثير من تلاميذه وانقطعوا عن السير معه. فقال يسوع للإثنيْ عشر:
أَفَتُريدون أن ترحلوا أنتم أيضاً؟ أجابه سمعان بطرس: يا رب إلى من نذهب؟...
أجابهم يسوع: ألم أختركم أنا، أنتم الإثنيْ عشر؟ ومع ذلك فواحد منكم شيطان. كان
يقصد به يهوذا ابن سمعان الإسخريوطي. فهو بالفعل الذي كان سيسلّمه، هو أحد الإثنيْ
عشر" (يوحنّا 6، 64-71).
كان الأجدر بيهوذا أن ينسحب منذ تلك اللحظة مع أمثاله الغير مؤمنين.
إنّه لم يبقَ مع جماعة الرسل الاّ آملاً بتحقيق طموحاته الماديّة. عندما تأكّد
يهوذا بأنّ يسوع لن يقيم الحكم السياسي الذي كان يأمل به، وأنّه لن يستفيد منه
ماديّاً، قرّر تسليمه (يوحنّا 13، 2). نلاحظ تشبّث يهوذا بالمادّيات قبل كل شيء في
تسليمه يسوع مقابل ربح المال: "ذهب إلى رؤساء الكهنة (الذين كانوا يريدون
القبض على يسوع باحتيال) وقال لهم: كم تعطوني وأنا أسلّمه إليكم؟ فوعدوه بثلاثين
قطعة فضّة" (متّى 26، 14-15).
يجسّد يهوذا الإسخريوطي مأساة يسوع الناصري.
كان "رسولا عماوس" مذهولَيْن وخائبَيْن بعد صلب يسوع وموته
لأنّهما، قالا: "كنّا نحن نرجو أنّه هو الذي سيخلّص إسرائيل" (لوقا 24،
21). ذلك لأنّهما كانا ينتظران خلاصاً سياسيّاً.
يوم صعود يسوع إلى السماء، عندما رآه الرسل، "سجدوا له، لكن
بعضهم شكّوا" (متّى 28، 17). فما
كانت طبيعة هذا الشكّ؟ إنّهم شكّوا بأنّه المسيح لأنّه لم يُقِم مملكة إسرائيل.
إنّه ربّما مجرّد نبيّ، فسألوه من جديد: "أفي هذا الزّمن تعيد الملك إلى
إسرائيل؟" (أعمال 1، 6).
فاليوم، ومن جديد، تتبلور تلك المأساة بظهور قومية يهوديّة متجسّدة
في دولة إسرائيل. سحرت هذه الدولة جموعاً مسيحيّة وجرفتها في تيّارها.
اليوم تتبلْوَر من جديد مأساة يسوع بعودة قوميّة يهوديّة متجسّدة
بالكيان الإسرائيلي الذي خدع معظم المسيحييّن، وجرفهم شاهدين له وداعمين إيّاه.
وذلك رغم تحذير المسيح: "إنتبهوا لئلاّ يضلّلكم أحد… فإذا رأيتم نجاسة الخراب
قائمة في المكان المقدّس (الأرض المقدّسة، فلسطين)… لا تتبعوهم…" (لوقا 21،
7-8 و متّى 24، 4-15). وبالرغم من ذلك راحوا يتبعونهم…!!